دراسة الجدوى والاستدامة المالية للجمعية
تعد الاستدامة المالية من أهم التحديات التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني؛ إذ تحتاج الجمعية إلى موارد مستمرة تمكنها من تنفيذ رسالتها وبرامجها دون أن تظل معتمدة بصورة كاملة على التبرعات أو المنح قصيرة الأجل.
ويمكن للمشروعات المدروسة اقتصاديًا أن تمثل أحد المسارات التي تساعد الجمعية على تنويع مصادر دخلها، سواء من خلال مشروع إنتاجي، أو خدمي، أو استثماري، أو مشروع يرتبط مباشرة بالفئات المستفيدة من أنشطتها.
لكن الدخول في أي مشروع دون دراسة كافية قد يحول مصدر الدخل المتوقع إلى عبء مالي على الجمعية.
لذلك فإن دراسة الجدوى تساعد الجمعية على تحديد:
حجم الاستثمار المطلوب.
مصادر التمويل المناسبة.
التكاليف التشغيلية والرأسمالية.
الإيرادات المتوقعة.
نقطة التعادل.
التدفقات النقدية.
العائد المتوقع على الاستثمار.
المخاطر المالية والتشغيلية.
السيناريوهات المتوقعة في حالة تغير ظروف السوق.
وبذلك تصبح الجمعية أكثر قدرة على إدارة مواردها واتخاذ قرارات استثمارية مسؤولة.
من التبرع إلى تنمية الموارد
لا تعني الاستدامة أن تتوقف الجمعية عن الحصول على التبرعات والمنح، وإنما تعني امتلاكها مزيجًا متوازنًا من مصادر التمويل والموارد التي تمكنها من الاستمرار وتحقيق رسالتها.
ومن هنا يمكن أن تكون دراسة الجدوى وسيلة تساعد الجمعية على التفكير في تنمية مواردها بطريقة أكثر تنظيمًا.
فبدلًا من السؤال: كيف نحصل على تمويل للمشروع؟
يمكن أن تبدأ الجمعية بالسؤال:
كيف يمكن أن يتحول هذا المشروع إلى مورد مستدام يساعد الجمعية على تمويل رسالتها وخدمة المستفيدين؟
وهذا التحول في التفكير يمثل خطوة مهمة من الاعتماد على التمويل إلى بناء الاستدامة.
دراسة الجدوى وحماية أموال الجمعية
أموال الجمعية ومواردها ليست أموالًا عادية؛ فهي مرتبطة برسالة اجتماعية وبحقوق المستفيدين وثقة المتبرعين والداعمين وأعضاء الجمعية.
ولهذا فإن أي قرار باستثمار موارد الجمعية في مشروع يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية والشفافية.
تساعد دراسة الجدوى في تقليل احتمالات اتخاذ قرارات استثمارية غير مدروسة، من خلال تحليل المشروع قبل تنفيذه واكتشاف نقاط القوة والضعف والمخاطر المحتملة.
كما يمكن أن تكشف الدراسة مبكرًا عن وجود مشروع لا تتناسب تكلفته مع إمكانات الجمعية، أو أن السوق المستهدف غير كافٍ، أو أن الإيرادات المتوقعة لا تغطي المصروفات، وبالتالي توفر على الجمعية تكلفة الدخول في مشروع قد لا يحقق أهدافه.
فالمال الذي تنفقه الجمعية على دراسة الجدوى قد يحمي أموالًا أكبر من الهدر في مشروع غير قابل للاستمرار.
دراسة الجدوى وربط المشروع برسالة الجمعية
من الأخطاء التي قد تقع فيها بعض الجمعيات النظر إلى المشروع الاستثماري باعتباره مصدرًا للدخل فقط، دون دراسة علاقته برسالة الجمعية وأهدافها التنموية.
وهنا تأتي أهمية أن تتضمن دراسة الجدوى بُعدًا اجتماعيًا واضحًا.
فالمشروع الناجح للجمعية ليس بالضرورة المشروع الذي يحقق أعلى عائد مالي فقط، وإنما المشروع الذي يستطيع أن يجمع بين:
الجدوى الاقتصادية + الأثر الاجتماعي + القدرة على الاستمرار.
فعلى سبيل المثال، قد يكون المشروع قادرًا على توفير فرص عمل للفئات المستفيدة، أو تدريب الشباب، أو تمكين الأسر المنتجة، أو دعم الأشخاص ذوي الإعاقة، أو توفير خدمة يحتاج إليها المجتمع.
وبذلك تتحول دراسة الجدوى إلى أداة تساعد الجمعية على اختيار المشروعات التي تخدم رسالتها وتدعم استدامتها في الوقت نفسه.
دراسة الجدوى كأداة لاتخاذ القرار داخل الجمعية
تحتاج مجالس إدارات الجمعيات إلى معلومات واضحة عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالمشروعات والاستثمارات.
ودراسة الجدوى توفر إطارًا منظمًا يمكن من خلاله مناقشة المشروع وتقييمه ومقارنته بالبدائل المتاحة.
فبدلًا من اتخاذ القرار بناءً على الحماس للفكرة، يمكن لمجلس الإدارة أن يناقش مجموعة من المؤشرات والأسئلة:
هل السوق موجود فعلًا؟
هل المشروع يتناسب مع إمكانات الجمعية؟
هل لدينا الموارد البشرية اللازمة؟
كم تبلغ التكلفة؟
متى يبدأ المشروع في تحقيق إيرادات؟
ما المخاطر؟
ماذا يحدث إذا انخفضت الإيرادات عن المتوقع؟
هل المشروع قابل للتوسع؟
وما الأثر الذي سيحققه للمستفيدين؟
وهكذا تساعد دراسة الجدوى على جعل القرار أكثر موضوعية وشفافية وقابلية للقياس.
دراسة الجدوى وتعزيز فرص التمويل والشراكات
لا تقتصر أهمية دراسة الجدوى على قرار الجمعية الداخلي، بل تمتد إلى علاقتها بالجهات المانحة والمستثمرين والشركاء.
فعندما تقدم الجمعية مشروعًا مدعومًا بدراسة جدوى واضحة، فإنها تستطيع تقديم صورة أكثر احترافية عن أهداف المشروع، واحتياجاته التمويلية، وآليات تنفيذه، والعوائد أو النتائج المتوقعة.
وهذا يعزز ثقة الجهات الداعمة والشركاء في قدرة الجمعية على إدارة المشروع واستخدام الموارد بكفاءة.
كما تساعد الدراسة الجمعية على تحديد نوع الشريك الذي تحتاج إليه: هل تحتاج إلى تمويل؟ أم خبرة فنية؟ أم شريك تشغيلي؟ أم دعم تسويقي؟ أم شراكة استراتيجية؟